محمد متولي الشعراوي
9097
تفسير الشعراوي
وقوله : { يا أبت } [ مريم : 42 ] وكان التركيب العربي يقتضي أن يقول : يا أبي ، إلا أنهم يحذفون ياء المتكلم ويُعوِّضون عنها بالتاء ، فلماذا ؟ قالوا : لأن ( أبت ) لها مَلْحظ دقيق ، فهو يريد أنْ يُثبت أنه وإنْ كان أباً إلا أن فيه حنان الأبوين : الأب والأم . فجاء بالتاء التي تشير إلى الجانب الآخر ؛ لذلك نجدها لا تُقال إلا في الحنانية المطلقة ( يَا أَبَتِ ) كما لو ماتتْ الأم مثلاً ، فقام الأب بالمهمتين معاً ، وعوض الأبناء حنان الأم المفقود . وقوله : { لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً } [ مريم : 42 ] يبدو من أسلوب إبراهيم عليه السلام مع أبيه أدَبُ الدعوة ، حيث قدَّم الموعظة على سبيل الاستفهام حتى لا يُشعِر أباه بالنقص ، أو يُظهِر له أنه أعلم منه . { لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً } [ مريم : 42 ] نلحظ أنه لم يقُلْ من البداية : لِمَ تعبد الشيطان ، بل أخّر هذه الحقيقة إلى نهاية المناقشة ، وبدل أنْ يقولَ الشيطان حلّل شخصيته ، وأبان عناصره ، وكشف عن حقيقته : لا يسمع ولا يبصر ، ولا يُغني عنك شيئاً ، فهذه الصفات لا تكون في المعبود ، وهي العِلَّة في أنْ نتجنبَ عبادة ما دون الله من شجر أو حجر أو شيطان ، وخصوصاً في بيئة إبراهيم عليه السلام وكانت مليئة بالأوثان والأصنام . لأن العبادة ماذا تعني ؟ تعني طاعةَ عابدٍ لمعبود في أَمْره ونَهْيه ، فالذين يعبدون ما دون الله من صنم أو وَثَنٍ أو شمس أو قمر ، بماذا أمرتْهم هذه المعبودات ؟ وعن أيِّ شيء نهتْهُم ؟ وماذا أعدَّتْ هذه المعبودات لمنْ عبدها ؟ وماذا أعدَّتْ لمَنْ عصاها ؟ ما المنهج الذي جاءتْ به حتى تستحقَّ العبادة ؟ لا يوجد شيء من هذا كله ، إذن : فعبادتهم باطلة .